عبد الحليم قنديل :
رئيس تحت التمرين

رئيس تحت التمرين

دونالد ترامب عنوان كاشف لحالة أمريكا الآن، وامتداد متدهور لحالة سلفه باراك أوباما، وقد كان اختيار أوباما ـ الأسود ـ رئيسا قبل سنوات، وصعوده إلى زعامة البيت الأبيض لافتا ومثيرا، وعكس ميل أمريكا للتواضع، والتسليم بحقائق القوة المستجدة على المسرح الدولي، وتراجع وزن أمريكا وذبول قوتها الآمرة الناهية في الاقتصاد والسلاح.
ثم جاء اختيار ترامب الصادم، وبلغته الفظة العشوائية المتعجرفة الجهولة، وبأدائه البهلواني الاستعراضي، وكأن الأمريكيين دخلوا في حالة إنكار نفسي، لا يريدون الاعتراف بما آل إليه حال بلدهم، ويرغبون في التعويض عن بؤس الواقع بفسحة الخيال، وترديد كلمات كبيرة ومتعالية على المنصات، أو في تغريدات «تويتر» على طريقة ترامب، وكأن بوسع الكلمات أن تمحو الحقائق، أو كأن ما مضى يمكن استعادته، بمجرد ترديد شعار ترامب عن العودة إلى «أمريكا عظيمة مجددا».
والمؤكد أن ترامب ليس حلا، ولا هو الطريق لاستعادة عظمة أمريكا المفقودة، بل هو عرض لمرض، ولعطب جوهري أصاب القوة الأمريكية، فقد كانت أمريكا لزمن هي «القوة العظمى» بألف ولام التعريف، كانت تصنع مصائر العالم منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكان الاقتصاد الأمريكي وقتها نحو نصف اقتصاد العالم، وكانت القوة الوحيدة التي تملك سلاح الرعب الذرى، واستخدمته في الضربة الأخيرة لليابان في «هيروشيما وناغازاكي»، وأدارت صراعا كونيا مع الكتلة السوفييتية، وأجهدت موسكو في سباقات السلاح والفضاء، وإلى أن سقطت موسكو الشيوعية بإعياء الضربة القاضية أوائل تسعينيات القرن العشرين، وقتها، بدت أمريكا كأنها بلغت الذروة في مراتب العظمة، وبدت كأنها القطب الوحيد وختام التاريخ والجغرافيا، فما لا تملكه بقوة القهر والإرغام، صارت تملكه بقوة السحر والجاذبية الافتراضية، واحتلت وجدان الناس بطول وعرض الكرة الأرضية، وصارت كأنها الحلم والجنة الموعودة، والقبلة المرهوبة المرغوبة.
وفي لحظة الإحساس المتضخم بالقوة غير المسبوقة في تاريخ البشرية، سعت أمريكا لمد قرن سيطرة «العم سام» قرنا آخر، وأفرزت حالة ورئاسة بوش الابن، الذي تصور أن بوسعه صناعة العالم على المزاج الأمريكي، وبدا القصف الانتحاري للبنتاغون وبرج نيويورك، ومقتل ما يزيد على ثلاثة آلاف أمريكي في عمل غامض، جرت نسبته لتنظيم «القاعدة» وأسامة بن لادن، وبدا الحدث الجارح لعظمة أمريكا المتألهة، وكأنه الفرصة التي جاءت لبوش الابن على طبق من ذهب، التي تدفع أمريكا إلى المضى حتى النهاية، وقد كانت النهاية فعلا، لكن ليس لذروة الذروة في مدار العظمة، بل لقاع بؤس حقيقي، فقد اندفعت أمريكا لاحتلال العراق، وحطمت دولته، وأعدمت صدام حسين، لكن أمريكا خسرت الجلد والسقط في النصر المنهك، فلم تكسب من المقاولة على طريقتها البراغماتية، التي تحسب الأرباح والخسائر، بل دفعت الدم والمال غزيرا وكثيرا، وعاد الآلاف من جنود أمريكا في نعوش الموت، وأنفقت واشنطن ثلاثة تريليونات دولار في حملة العراق، كما دفعت تريليونات أخرى من قبل ومن بعد في حملة أفغانستان، وتحولت إلى «بطة عرجاء» وحائط مائل، وصارت قوتها موضع سخرية لا بيتا للرعب، فقد ذهبت إلى العراق في «أرمادا» عسكرية فائقة التطور، وعلى ظن أنها تبني لنفسها قصرا لعظمة لا تزول، فإذا بها تكتشف المفارقة، وهي أنها تحفر لعظمتها قبرا لا قصرا، كانت واشنطن تدرك غريزيا أن العالم يتغير، وأن الزمان لم يعد لها كما مضى، وأن قوتها الاقتصادية تتراجع عالميا، ولم يعد لها نصف اقتصاد العالم كما كان، وأن القوى المهزومة في الحرب العالمية الثانية، عادت لتستيقظ من جديد، وتتحول إلى أقطاب اقتصادية حاكمة، وعلى طريقة ما فعلت ألمانيا واليابان، ثم كان الصعود الصاروخي للصين، وزحف بكين العظيم إلى القمة الاقتصادية، وبمعدلات نمو غير مسبوقة في تاريخ العالم الحديث، وأرادت أمريكا في حملة العراق، أن تصادر على المستقبل، وأن تستخدم ما تبقى لها من تفوق سلاح وتكنولوجيا، توظفها لردع الآخرين الصاعدين، والردع الضمنى للصين بالذات، وخسرت أمريكا الرهان، وتحطمت هيبتها الافتراضية في حملة العراق، التي كانت بمثابة «آخر عشاء» للقوة الأمريكية المنفردة، وكانت آخر «حرب برية» يمكن لأمريكا خوضها، ولم يعد لها سوى اللجوء للقصف من السماء، أو استخدام الطائرات بدون طيارين، وعلى طريقة ما لجأ إليه أوباما، الذي مال إلى التسليم بالخيبة الجبرية، وإلى سحب قواته البرية من ميادين الصراعات المسلحة، وإلى وعد الأمريكيين بعدم التورط ثانية في نزالات الدم، فقد كان دور أمريكا ينكمش باطراد في استخدام السلاح، تماما كما كانت قوتها الاقتصادية تتآكل أسنانها، وتتراجع نسبتها من نصف اقتصاد العالم إلى أقل من السدس، وكانت أوزان الصاعدين في الاقتصاد تزيد، وكان الصاعدون في السلاح على رقعة أوسع، فقد تخطت العتبة النووية ثلاثون دولة، وكانت القوى النووية الكبرى تعود إلى المسرح، وأولها القوة الصينية كاملة الأوصاف، والمنافسة لأمريكا في الاقتصاد والسلاح، كما كانت القوة الروسية تعود من غفوة عابرة، واندفع بندول التطور الإنساني الملهم في حركة دائبة إلى الشرق، كما إلى الجنوب، وتراجع إلهام الغرب المتصل لخمسة قرون، من سقوط «غرناطة» الإسلامية إلى سقوط موسكو الشيوعية، ثم بدت القيادة الأمريكية للغرب، وكأنها تتجه إلى أفول، وكانت اختيارات أوباما، التي وصفت بالضعف كونيا، وبالتراجع عن التزامات أمريكا عالميا، كانت تلك الاختيارات تعبيرا عن ميل أمريكا إلى التواضع بدورها، واكتشاف تحول الأحلام إلى أوهام، وتفضيل أمريكا للعزلة من وراء المحيط الأطلنطى، وهو ما يواصله دونالد ترامب، ومع فارق محسوس جدا، هو أن بلاغة أوباما اللغوية كانت تتخفى بالهزيمة، بينما بدائية ترامب كاشفة، وعلى طريقة حربه الكلامية ضد إيران، التي سيخسرها بالتأكيد، ثم على طريقة عروضه لتأجير عضلات أمريكا لدول الخليج مقابل المال.

نعم، تحولت أمريكا فعليا من وضع «القوة العظمى» بالألف واللام، ونزلت إلى مكانة «قوة عظمى» بين آخرين، ولم تعد لها حتى المكانة الأولى بين متساوين متنافسين، فإيقاع الانقلابات في موازين القوى الدولية متسارع جدا، والعولمة الاقتصادية التي فرضتها أمريكا وبادرت إليها، وتحكمت في منظماتها الدولية، وجعلت الدولار بديلا عن غطاء الذهب، وعلى أمل «أمركة» العالم، وجعل «العولمة» مرادفا للأمركة، وقد بدا الأمر كذلك لعقود، وأرغمت أمريكا دول العالم على التخلى عن مبدأ السيادة الوطنية، وإزالة أي حواجز جمركية أو حمائية للصناعات الوطنية النامية، والدفاع عن مبادئ التجارة الحرة الطليقة من كل القيود، وتفكيك حصانة الاقتصادات بشروط المعونات، وهو ما عانت منه وتعاني دول، خضعت لرغبات السيد الأمريكي، لكن الريح لم تأت في النهاية بما اشتهته أمريكا، وخسرت اللعبة التي وضعت قواعدها، وبدت تحولات اقتصاد العالم تمضي لغير المصلحة الأمريكية، وحل «تصوين العولمة» محل «أمركة العولمة»، وصار اقتصاد أمريكا هو أكبر مدين في الدنيا كلها، فقد مالت الشركات الأمريكية الكبرى إلى نقل نشاطها من داخل أمريكا، وصارت الشركات «متعدية الجنسيات» بحجم اقتصادات دول ناهضة، بينما ضعف اقتصاد أمريكا داخل حدودها، وسيطر «اقتصاد الكازينو» و»المضاربات»، وتراجع اقتصاد الإنتاج، والمقدرة على الفوز في المنافسات مع الصاعدين الكبار، وهكذا هزمت أمريكا في ميادين «العولمة» التجارية، وصارت القوى العالمية بترتيب الغلبة التجارية ثلاثا، أولها الصين، ثم ألمانيا واليابان، واكتسحت الصين بالذات، واستولت على السوق الأمريكية نفسها، وانتقلنا من «تصوين» السوق العالمية خارج أمريكا، إلى «تصوين» السوق الأمريكية نفسها، وهكذا انقلب السحر على الساحر الأمريكي، وهو ما يفسر فزع ترامب من الصين بالذات، ولكن بدون مقدرة على شن حرب تجارية ناجحة مع بكين، ولا سلاح فعال في خوض حرب عسكرية مع الصين النووية، ومع ميل ظاهر للتسليم بقوة روسيا السياسية والعسكرية، وانبهار ترامب بعبقرية الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، والرغبة في المشي وراء بوتين في صراعات الشرق الأوسط بالذات، وفي الأزمة السورية على نحو أخص، فقد بدت سوريا كأنها ورقة عباد الشمس، تكشف الألوان والظلال والقلويات والحمضيات فيها عما جرى ويجري من تطورات الدنيا وموازينها الجديدة، فالصين تدعم روسيا، وترجح الكفة لغير صالح أمريكا المتراجعة دوليا، والقوى الإقليمية المؤثرة تميل إلى التحالف الروسي الصيني، وعلى طريقة ما فعلت إيران، وما تفعله تركيا الخائفة من سوء المصائر، وما تؤول إليه اختيارات مصر عمليا، فيما يبدو ظهر أمريكا إلى الحائط، وإلى دواعي انزلاق في بحر الظلمات، ربما باستثناء دور أمريكا الكلاسيكي في دعم «إسرائيل»، والأخيرة قطعة من أمريكا استراتيجيا، وشأن أمريكي داخلي مباشر، ولا فرصة لتغيير الموقف الأمريكى فيه بدون العودة لخط المقاومة والانتفاض الفلسطيني، وليس الاكتفاء بشكاوى إلى منظمات دولية، تستخف بها أمريكا، وتميل إلى الانعزال عنها، والتقليب في دفاتر الديون، وعرض عضلات أمريكا للتأجير على دول أوروبا كما على دول الخليج، ومقابل أموال يريدها ترامب، وعلى ظن أنها قد تنقذ أمريكا المفلسة، وهو ما يتصور الرجل البائس أنها خطته لاستعادة عظمة أمريكا الضائعة، وكأن التسول والابتزاز هو طريق العظمة، وهذه طريقة تفكير تليق برئيس بدائي مبتدئ، قد يمضي سنواته الأربع، إن أكملها في البيت الأبيض، كفقرة مثيرة للسخرية في برنامج كوميدي، أو كرئيس تحت التمرين.